الإنسانية الغائبة…

تقرير | بحث حقوقي عن وضع الفئات الأكثر ضعفًا في السجون المصرية

متاح ايضا باللغات : English

أصدرت منظمة السلام الدولية لحماية حقوق الإنسان – SPH، بالاشتراك مع مؤسسة عدالة لحقوق الإنسان، ومركز الشهاب لحقوق الإنسان، تقريرًا في شكل بحث حقوقي عن وضع الفئات الأكثر ضعفًا في السجون المصرية.

تناول البحث الحقوقي، التوفيق بين القواعد التشريعية المصرية والدولية، والتي قد تُتيح للسلطات المصرية الإفراج عن السجناء جرَّاء انتشار الأمراض أو تردي الأوضاع الصحية، ومدى إمكانية مُطابقتها على الفئات الأكثر ضعفًا داخل السجون المصرية، والبحث في مدى أحقيتهم للمطالبات المُتعددة بالإفراج عنهم، في ظل انتشار وباء (كورونا المستجد – كوفيد19).

كما تناول التقرير، الحديث عن أمثلة مُتعددة من تلك الفئات، كنموذج لمئات –بل آلاف– الحالات داخل السجون المصرية، من أجل إلقاء الضوء على تلك الشريحة، وما قد يُسببه انتشار الفيروس من انتهاكات مُضاعفة في حقهم.

وارتأى البحث الحقوقي، أن شريحة الفئات الأكثر ضعفًا، سيتم التركيز فيها على: (النساء، الأطفال، كبار السن، وأصحاب الأمراض المزمنة أو الخطرة)، مع دراسة الآثار المترتبة على سوء الرعاية الطبية والخدمات الصحية داخل السجون.

وجاء بالبحث، أنه مع بدايات عام 2020، اجتاح العالم فيروس “كورونا المستجد – كوفيد19“، والذي صُنف من قبل منظمة الصحة العالمية بأنه “وباء عالمي“، وتخطت إصاباته –حتى كتابة هذا التقرير– أكثر من مليوني شخص، في دولٍ مختلفة، وحصد أرواح قرابة مائة وخمسين ألف إنسان حول العالم، ممَّا دفع دولًا عديدة إلى اتخاذ كافة التدابير والإجراءات الاحترازية الصارمة، التي تُساعد على الحد من انتشار أو تكوين بؤر تجمعية، قد تُشكل مركزًا لانتشار الفيروس.
فعملت على وقف كافة الأنشطة التعليمية والرياضية والفنية والتعبدية والاجتماعية، والتي تُشكل تجمعاتها خطرًا لإمكانية انتشار الفيروس وتخطيه شرائح أوسع من المجتمع.


في هذا السياق من التدابير الاحترازية، لم تتناسَ كثير من الدول التجمعات المتواجدة داخل السجون ومقار الاحتجاز لديها، لما يُشكله من خطورة على السجناء أو المُتعاملين معهم من أفراد الأجهزة الشرطية والإداريين، فاتخذت العديد من الخطوات الرامية إلى تفكيك تلك البؤر في إطارٍ من القانون المحلي والدولي، وعمدت إلى إطلاق سراح عددٍ من السجناء للحد من انتشار المرض، تفاديًا لوقوع كارثة داخل السجون.

لكن في الجانب المُظلم من هذه الزاوية، لم تحذُ –عمدًا أو إهمالًا– العديد أيضًا من الدول حذوغيرها، في اتخاذ تلك الإجراءات، من قرارات الإفراج عن السجناء، وكانت مصر من بين هذه الدول التي لم تستجب لنداءاتٍ حقوقية عدة ومبادراتٍ أطلقتها منظمات غير حكومية، من أجل الإفراج عن السجناء، في ظل حالة التكدس داخل السجون المصرية، وسوء الرعاية الطبية، وضعف المناخ الصحي داخل تلك الأماكن؛ بل قامت بإصدار قرارات بمنع الزيارات عن كافة السجون المصرية، وهي قرارات غير كافية وليست حلًا لمعالجة أزمة انتشار “وباء كورونا” داخل السجون ومقار الاحتجاز، لو انتشر في ظل مناخ السجون غير المُستعدة لاستيعاب أو التعامل مع مثل هذا الوباء في حال ظهوره أو انتشاره.

وكان الغرض من كافة النداءات للحكومة المصرية، هو القيام بدور المجتمع المدني في إطار توظيف جهوده نحو مُساعدة الحكومات في أوقات النكبات وانتشار الأوبئة، فهو تدخل إنساني لا سياسي ولا تقييمي لأداء الحكومة، فهذا الوباء رضخت أمامه كافة الدول المُتقدمة في المجال الطبي، وبالتالي لا مجال لتقييم ضعف الحكومة المصرية في التعامل الطبي مع الوباء، وإن كانت الملاحظات تنصب على واقع التعامل الحكومي مع هذا الوباء والقرارات والسياسات المُتخذة في إطار الحد من انتشار هذا الوباء.

ومن ثمَّ، فالعمل على تفكيك أي تجمع بشري، أصبح مطلبًا مُلحًا وليس رفاهةً اجتماعية تستطيع الحكومة المصرية قبوله أو رفضه.

إن هناك فئات داخل تلك الأماكن، من السهل على الحكومة المصرية التعامل معها وإخلاء سبيلها، لتحاولَ تفكيك التجمعات المُكدسة، التي قد تُشكل خطرًا في حال ظهور الفيروس في أي شخص منهم، وخطورة ذلك على المجتمع بأكمله.

وقد شهدت أماكن الاحتجاز المصرية، حالات وفاة ناتجة عن عدم تقديم الخدمات الطبية والرعاية الصحية للمسجونين والمحتجزين عن عَمدٍ، الأمر الذي جعلنا أمام وفاة نتيجة لإهمالٍ طبي، فالسجناء والمحتجزون –خاصة المرضى وكبار السن– لهم حقوق تجاه السلطات المشرفة على أماكن الاحتجاز فيما يتعلق بالرعاية الطبية والصحية وفقًا للقانون ولائحة السجون المصرية، ونصت على هذه الحقوق القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، التي أوصت باعتمادها الأمم المتحدة وأقرها المجلس الاقتصادي والاجتماعي وذلك تحت عنوان (الخدمات الطبية). من هذا المنطلق، يُشير هذا التقرير –ومن زاويةٍ إنسانية– إلى مجموعة من الفئات داخل السجون ومقار الاحتجاز، يُشكلون (الفئات الأكثر ضعفًا)، لكونهم أكثر الفئات احتياجًا لتعاملٍ خاص، في ظل استمرار هذا الوباء وانتشاره وحصده للأرواح دون وجود آلية طبية علاجية تستطيع إيقافه.

لمحة عن أوضاع السجون المصرية الصحية:

بالتأكيد السجون بشكلٍ عام –والسجون المصرية بشكلٍ خاص– ليست أماكن ترفيه، لكن –وكما هو معروف لجميع المُتابعين من منظمات المجتمع المدني– لا يجب أن يصل الوضع داخل أي سجن أو مكان احتجاز إلى الوضع المُزري بأي حالٍ من الأحوال، وهذا مفاد النصوص القانونية الآمرة في إدارة شئون السجون والسجناء. وتنتشر داخل السجون في مصر أمراض عديدة منها: الدرن، السكر، القلب، حساسية الصدر، الحمى، الروماتيزم، الأمراض الجلدية، والسرطان.

وفي إطار المُتابعة، وما تمتلكه الحكومة المصرية من 68 سجنًا، بالإضافة إلى 382 مقر احتجاز داخل أقسام الشرطة، فغير خافٍ على أحدٍ سوء الأوضاع داخلها، وفقًا للكم الهائل من الشكاوى التي تتحدث عن ضعف خدمات الرعاية الطبية والمناخ الصحي داخلها.

  • التكدس والتزاحم…

بالتأكيد الحكومة المصرية لا تُريد أن تكون هناك بؤر تجمعية تُشكل خطرًا بتواجد مثل تلك الأعداد داخل السجون، وأنها أرادت من قرارها منع الزيارات عن السجناء اتخاذ إجراءات احترازية للحد من انتشار الوباء، إلا أن التكدس داخل تلك الأماكن يُشكل عقبة كبرى قد لا تحول دون انتشار الفيروس، وخصوصًا أن هناك أماكن مُنعزلة –مثل حاملة الطائرات الفرنسية والأمريكية– أُصيب فيها المئات من العسكريين، رغم أنهم لم يُخالطوا أحدًا منذ شهورٍ بعيدة، فهذا الفيروس لم يُعرف حتى وقتنا هذا مُبتدأ انطلاقه أو انتشاره، ومن الممكن أن يكون أحدٌ حاملًا للفيروس دون أن يعرف.

وبالتالي، يظل التكدس الذي يفوق الطاقة الاستيعابية للسجون ومقار الاحتجاز، هو الأمر الأكثر إزعاجًا في هذا الإطار.

فوفقًا لتقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان[1]، الذي نُشر في 2016، فإن نسبة التكدس بالسجون المصرية فقط –دون غيرها من أماكن الاحتجاز مثل أقسام الشرطة والمناطق العسكرية– تخطت 150%، بل وصلت –حسب التقرير– إلى 300% في أقسام الشرطة.

وذكر المجلس في تقريره السنوي لسنة 2015/ 2016، أن تقارير وفود المجلس التي زارت السجون أجمعت على ضعف الخدمات المتاحة في السجون نظرًا لحالة التكدس وضغطها الشديد على الخدمات.

وقد حذرت منظمة الصحة العالمية من احتمالية أن يتسبب التكدس داخل السجون ومقار الاحتجاز في بؤرٍ لانتشار فيروس كورونا المستجد في العديد من الدول[2]، وضرورة اتخاذ الدول التدابير اللازمة والمُلائمة في هذا الإطار.

كما أعربت المفوضية السامية لحقوق الإنسان، التابعة للأمم المتحدة، في بيانٍ لها[3]، عن بالغ قلقها، إزاء تكدس السجون بما تحتويه من ظروف غير نظيفة وغير صحية، الأمر الذي قد يكون سببًا في انتشار أوسع لفيروس كورونا المستجد، وذكر البيان عن رئيسته السيدة “ميشيل باشيليت“، أن كورونا بدأ يجتاح السجون، ودعت إلى النظر بأهمية لأوضاع المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي، مطالبة الحكومات بإطلاق سراح كل من هو غير موقوف على أُسس قانونية، بمن فيهم السجناء السياسيون ومعتقلو الرأي.

  • ضعف الخدمات الطبية والمناخ الصحي…

يُضاف إلى عامل التكدس –السابق ذكره– عامل ضعف الخدمات الطبية، وقد جاء ذلك في بحثٍ ميداني[4]، عن الصحة في سجون مصر، تناول محددات الصحة داخل عالم السجون المغلق، صادر عن “المُبادرة المصرية للحقوق الشخصية“، ذكر بأن الواقع في مُمارسة الحق في الصحة داخل السجون المصرية عند التطبيق، يمرُّ بعدة محطات وفي كل محطة منها يوجد من العقبات ما يحول دون الانتقال إلى المحطة التالية بما يحمله ذلك من تأخر الرعاية الصحية، الأمر الذي يؤدي في عدد غير قليل من الأحوال إلى الوفاة.

وخَلُصَ البحث، إلى أن الأوضاع المعيشية والصحية داخل السجون –من واقع شهادات السجناء السابقين– لا تتماشى مع الحد الأدنى من مكونات الحق في الصحة، وذلك على مستوى إتاحة الخدمات الصحية وجودتها وكفاءة القائمين على تقديمها، وتفاوتت جودة الخدمة الصحية بين السجون في مصر على مستوى البنية الأساسية والتجهيزات، كما تفاوت مستوى الأطباء المنوط بهم عياداتها، وكان هناك قصور في توفير الخدمات العاجلة في الحالات الصحية الطارئة غالبًا، بسبب بطء الإجراءات الخاصة بذلك أو بسبب كون القرار النهائي يقع في يد إدارة السجن، وبالنسبة للنساء والأطفال فتفاوتت مستويات وأشكال الرعاية التي تقدم إليهم، إلا أنها تشاركت في كونها غير كافية وأحيانًا غير مناسبة، بالنسبة إلى مقومات الصحة -وهي أيضًا التدابير الصحية الوقائية- والتي تشمل الغذاء والمرافق الصحية (دورات المياه)، والنظافة ُ والإضاءة والتهوية والتريّض، فقد افتقرت إلى الاهتمام اللازم من إدارة السجون، فغياب النظافة والصيانة للعنابر والزنازين ودورات المياه، والتكدس الشديد للسجناء كان لها دور سلبي في التأثير على صحة السجناء.


[1]  http://www.nchregypt.org/media/ftp/report11.pdf

[2]  https://0i.is/bjw3

[3]  https://news.un.org/ar/story/2020/03/1052032

[4]  https://eipr.org/sites/default/files/reports/pdf/health_in_prison_a.pdf

اضغط لتنزيل الملف

مقالات ذات صلة