نحو تعامل قانوني دولي مع قضية الرئيس مرسي

تقرير مدير المنظمة على موقع المعهد المصري للدراسات

تقرير السيد “علاء عبد المنصف”، مدير منظمة السلام الدولية لحماية حقوق الإنسان Salam International Organization – sph على موقع المعهد المصري للدراسات، بعنوان: نحو تعامل قانوني دولي مع قضية الرئيس مرسي.

وإلى نص التقرير:

مقدمة:
بعد ست سنوات من اعتقالٍ واختفاءٍ قسري ومحاكمات جائرة، وما تخللها من إهمالٍ طبي مُتعمَّد ومُمنهج من أجل حرمانه من تلقي العلاج اللازم، وختامًا ما شاهدناه من (وفاة/ قتل) الرئيس الدكتور “محمد مرسي”، داخل محبسه بهذه الصورة، والتي اتضح فيها تعنت وإصرار هيئة المحكمة برئاسة “محمد شرين فهمي” من منع أية مساعدات طبية لازمة له، حتى وافته المنية.

وقد صاحب هذا الحدث العديد من التصريحات العلمية من بعض الأطباء الشرعيين الدوليين، تنتقد فيها التصريحات الرسمية للدولة المصرية، من أن الوفاة كانت نتيجة “نوبة قلبية حادة”، بل إن الأمر به الكثير من الغموض، الذي يوحي بشكوك حول الوفاة، وأنها كانت بطريقة متعمَّدة ومباشرة، وليست كما تدعي تلك التصريحات الرسمية.

وسواء أكانت الوفاة مُباشرة وبها أمر غامض، تم التخطيط له مُسبقًا -وهو ما نميل إليه-، أو كانت غير مُباشرة ونتيجة طبيعية وأثر مُتوقع للإهمال الطبي المُتعمَّد خلال تلك الفترة القاسية التي قبع فيها في الاحتجاز القسري؛ فإن الواجب المُلقى على عاتق الكثيرين، وبعد هذه التضحيات التي قُدمت من الرئيس، أن نسعى للوقوف على حقيقة مقتله بشكلٍ واضح، والعمل على تقديم الفاعلين والقائمين على هذه الجريمة للعدالة الجنائية الدولية بمُختلف أشكالها.

في هذا الإطار، هناك من الإجراءات القضائية المُتوفرة، والتي من الممكن -بعد عمل دؤوب وهادئ- تُمكننا من مُقاضاة بعض الأسماء الرسمية في الدولة المصرية، أمام القضاء الدولي، وفق عدة أدوات وآليات دولية، تُتيح النظر في تلك القضية بشكلٍ مُباشر، في حال تصنيفها كنوعٍ من أنواع “الجرائم العالمية”، ويُعد “الإهمال الطبي الذي أفضى إلى موت كفرعٍ من فرعِ التعذيب” نوع من أنواع الجرائم العالمية المنصوص عليها في العديد من المواثيق الدولية، ومنها مواثيق صدقت عليها مصر.

يأتي هذا الأمر، مُتماشيًا مع التصريحات الرسمية التي صدرت عن “مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان”، والتي دعت فيه الجهات المعنية بضرورة إجراء تحقيق شامل ومستقل في ظروف وفاة الدكتور محمد مرسي كونه كان محتجزًا لدى السلطات المصرية وقت وفاته، وأن الدولة مسؤولة عن ضمان معاملته معاملة إنسانية واحترام حقه في الحياة والصحة.

أولاً: التعذيب والقانون الدولي:
يحظر القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي التعذيب وغيره من أشكال المعاملة السيئة في جميع الأوقات، ويقضي بمعاملة المحتجزين وفقًا لأحكام ومبادئ القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان وغيره من المعايير الدولية. وتوفّر اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب[1] وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة لعام 1984 في (المادة الأولى)، تعريفًا للتعذيب يحظى بالإجماع، حين عرفته:

لأغراض هذه الاتفاقية، يقصد “بالتعذيب”، أي عمل ينتج عنه ألً أو عذابًا شديدًا، جسديًا كان أم عقليًا، يلحق عمدًا بشخصٍ ما، بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخصٍ ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب يقوم على التمييز أيًا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص يتصرف بصفته الرسمية، ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبات أو الذي يكون نتيجة عرضية لها.
لا تخل هذه المادة بأي صك دولى أو تشريع وطنى يتضمن أو يمكن أن يتضمن أحكامًا ذات تطبيق أشمل.
ويعتمد القانون الدولي الإنساني تعريفًا مختلفًا بعض الشيء عن هذا التعريف، من حيث عدم اقتضائه اشتراك شخص يتصرف بصفته الرسمية كشرط لتعريف العمل الذي يُقْصد منه إلحاق ألم أو عذاب شديد بأنه تعذيب.

وتستخدم اللجنة الدولية للصليب الأحمر[2]، المصطلح الواسع “المعاملة السيئة” لكي يشمل التعذيب وغيره من أساليب الانتهاك التي يحظرها القانون الدولي، بما في ذلك المعاملة اللاإنسانية والقاسية والمهينة والإساءات المهدرة للكرامة الإنسانية والإكراه البدني أو المعنوي.

ويتمثّل الفارق القانوني بين التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة في مدى شدة ما يتم إلحاقه من ألم أو عذاب. وإضافة إلى ذلك، يقتضي التعذيب توافر غرض محدّد وراء العمل، كالحصول على معلومات مثلًا.

ويمكن شرح المصطلحات المختلفة المستخدمة للإشارة إلى مختلف أشكال المعاملة السيئة أو إلحاق الألم على النحو التالي:

التعذيب:توافر غرض محدّد إضافة إلى الإلحاق القصدي لعذاب أو ألم شديد.
المعاملة القاسية أو اللاإنسانية:من دون توافر غرض محدّد، إلحاق قدر كبير من العذاب أو الألم.
الإساءات المهدرة للكرامة الإنسانية:من دون توافر غرض محدّد، إلحاق قدر كبير من الإذلال أو الإهانة.
وقد تكون أساليب المعاملة السيئة بدنية و/أو نفسية في طبيعتها، وقد تترتب على كلا الأسلوبين آثارًا بدنية ونفسية.

ثانياً: مناط التعذيب في القانون الدولي[3]:
1ـ في القانون الدولي الإنساني:

تتضمن اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاها الإضافيان لعام 1977 عددًا من الأحكام التي تحظر على نحو قاطع المعاملة القاسية أو اللاإنسانية، والاعتداء على الكرامة الشخصية.

وعلى سبيل المثال، يحظر التعذيب طبقا للمادة (3) المشتركة بين اتفاقيات جنيف، والمادة (12) في الاتفاقية الأولى والاتفاقية الثانية، والمادتان (17) و (87) في الاتفاقية الثالثة والمادة (32) في الاتفاقية الرابعة، وتحظر التعذيب المادة (75-2 أ،هـ) في البروتوكول الإضافي الأول، والمادة (4-2 أ،ح) في البروتوكول الإضافي الثاني “انتهاك الكرامة الشخصية وبوجه خاص المعاملة المهينة والمحطة من قدر الإنسان”.

وفي النزاعات المسلحة الدولية، يشكل التعذيب مخالفة جسيمة في إطار المواد (50، 51، 130، 147) الواردة على التوالي في هذه الاتفاقيات الأربع. ووفقًا للمادة (85) من البرتوكول الإضافي الأول لعام 1977، تُعد هذه المخالفات جرائم حرب. وفي النزاعات المسلحة غير الدولية، يُعد التعذيب انتهاكًا خطيرًا.

وأخيرًا، تصنف دراسة للجنة الدولية عن القانون العرفي (المادة 90) والمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة حظر التعذيب، والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية، والاعتداء على كرامة الإنسان، وبوجه خاص المعاملة المهينة والمحطة من قدر الإنسان، كقاعدة عرفية.

2- في القانون الدولي لحقوق الإنسان:

ـ فإن حظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية الحاطة من قدر الإنسان قائمًا أيضًا في مجال القانون الدولي، والعالمي، والإقليمي لحقوق الإنسان. والإعلان العالمي لحقوق الإنسان في (المادة 5)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في (المادة 7)، واتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، والاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في (المادة 3)، واتفاقية البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان في (المادة 5-2)، والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب في (المادة 5)، والميثاق العربي لحقوق الإنسان في (المادة 8)، إنما تتضمن أحكامًا ذات صلة بهذا الحظر.

3ـ في القانون الجنائي الدولي:

بموجب النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية[4]، يشكل التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة من قدر الإنسان جريمتي حرب. وذلك في إطار المادة 8 (2) (أ) (1″) (3″) (11″)  و(2) (1″) (2″)، وجريمتين ضد الإنسانية في إطار المادة 7(1) (و) و(ك) من نظام روما الأساسي.

4ـ في القوانين الوطنية:

ومن خلال تطبيق الالتزامات الدولية المذكورة أعلاه، فإن الأحكام ذات الصلة بحظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة من قدر الإنسان قائمة أيضًا في النظم القانونية الوطنية. وتعكس أو من المفترض أن تعكس الدساتير الوطنية أو غيرها من النصوص الأساسية، والقانون الجنائي (من الناحية المادية والإجرائية)، والقانون المدني والقانون الإداري هذه الأحكام الدولية، ومن المفترض أن تُدرج أيضًا إنفاذ حظر ومنع التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة من قدر الإنسان.

من هذا المُنطلق، نطرح (خطة تنفيذية مُقترحة)، لإجراءاٍت قانونيةٍ وقضائيةٍ، تُمكننا من مقاضاة رموز سياسية رسمية بالحكومة المصرية، أمام القضاء الأوربي، وفقًا لمبدأ الولاية القضائية العالمية، أو المحكمة الجنائية الدولية أو وفقًا لطلبات فتح تحقيق دولي، على جريمة التعذيب بالإهمال الطبي المُتعمَّد الذي أفضى إلى موتٍ.

ثالثاً: الهدف العام:
في ظل الهيمنة الدولية لدول وأنظمة المصالح، وقدرتها على تغيير سياسات القضاء العالمي، أو على الأقل إمكانية الضغط عليه والحيلولة دون إتمام الإجراءات القانونية/القضائية إلى نهايتها؛ وجب علينا أن نضع (أهدافًا واقعية) لكافة الإجراءت المُتبعة في هذه القضية.

حتى لو كانت تلك الخطوات بطئية وطويلة، فإن العمل عليها بشكلٍ صحيح، يُمكننا في اختيار الوقت والجهة الصحيحة، لاتخاذ خطوة المحاكمة الجنائية الدولية.

لهذا، فضرورة وضع مُقترح يعمل على “محاصرة رموز النظام في مجموعة قضايا وإجراءات تمنع إفلاتهم من العقاب”، هو الهدف العام، الذي يجب أن نسعى إليه.

ويعمل الهدف العام على شل/تقليل/تحجيم حركتهم في الانتهاكات والجرائم من ناحية، مع توفير “وعي حقيقي” لدى المجتمع المصري، بخطورة النظام وإجراءات، والطريقة القمعية التي يتعامل بها، والتي من السهل أن تصل إلى كافة الشرائح، حتى مؤيدي النظام الحالي أنفسهم.

وفي هذا الإطار، تكون الطُرق المُتاحة أمام (رغم صعوبتها وطول مدتها)، تنحصر في ثلاثة اتجاهات، وهي:

تفعيل، مبدأ الولاية القضائية العالمية.
التوجه، للمحكمة الجنائية الدولية.
تبني، تحقيق دولي شامل في تلك الجريمة.
وقبل البدء في تحديد الآلية الدولية المُتاحة، يجب حصر القائمة المبدئية للمُدانين محل الاتهام، والتي أرى أن تشمل:

1- المشير/ عبد الفتاح السيسي – رئيس الجمهورية، بصفته وشخصة.

2- اللواء/محمد إبراهيم – وزيرالداخلية الأسبق، بشخصه.

3- اللواء/ مجدي عبد الغفار- وزيرالداخلية السابق، بشخصه.

4- اللواء/محمود توفيق قنديل – وزيرالداخلية الحالي، بصفته وشخصه.

5- اللواء/زكريا الغمري- مساعد وزيرالداخلية لقطاع السجون،بصفته وشخصه.

6- المستشار/محمد شرين فهمي- قاضي محاكمة د.مرسي،بشخصه.

(أ) مبدأ الولاية القضائية العالمية:
مبدأ “الولاية القضائية العالمية” أو “مبدأ العالمية”، هو أساس فريد للولاية في القانون الدولي[5]، يمكن أن يسمح للدولة بمُمارسة الولاية القضائية الوطنية على جرائم معينة، تحقيقًا لمصلحة المجتمع الدولي، ولا يوجد تعريفًا واحدًا مقبولًا عالميًا لهذا المفهوم ولكنه، لأغراضٍ عمليةٍ، يمكن وصفه بأنه ولاية قضائية تستند فقط إلى طبيعة الجرايمة، دون اعتبار للإقليم الي ارتُكبت فيه، ولا لجنسية الجاني المدَّعى ولا المُدان فعلًا، ولا لجنسية الضحية، ولا لأي علاقة أخرى بالدولة المُمارِسة لهذه الولاية القضائية.

وهو ما يعني، أن المجتمع الدولي بات يفتأت أن هناك من الجرائم “ذات الطابع الدولي”، التي ترتكب في كثير من الأماكن والمناطق، دون محاسبة ومحكاكمة مُرتكبوها، بما يُمثل “إفلاتًا من العقاب”، سعى المجتمع الدولي والقانون لمنعه، وحماية ضحاياه.

ويًعد “التعذيب”، وما ينطوي تحته من جرائم وانتهاكات مُتعددة، أهمها “الإهمال الطبي المُتعمَّد الي يُفضي إلى الموت”، أحد صور التعذيب التي تحتاج إلى محاسبة فورية، وهو ما سعى القانون الدولي لاستدراكه، وبالأخص في ظل هيمنة أنظمة قمعية على الحياة السياسية والقضائية.

ولا يزال مبدأ الولاية القضائية العالمية يشكل إحدى الأدوات الأساسية لضمان منع الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني وقمعها.

ويتطلب هذا الالتزام نهجًا نشطًا[6]. فإذا علمت الدول بوجود أشخاص يُدعى ارتكابهم انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني في إقليمها أو في أماكن خاضعة لولايتها القضائية، وقعت على عاتقها مسؤولية ضمان التحقيق مع هؤلاء الأشخاص وملاحقتهم قضائيًا ومحاكمتهم.

وينص نظام “المخالفات الجسيمة” الذي أُرسي في اتفاقيات جنيف الأربع وبروتوكولها الإضافي الأول لعام 1977 على أن الدول الأطراف ملزمة قانونًا بالبحث عن الأشخاص الذين يُدعى ارتكابهم، أو إصدارهم أوامر بارتكاب، ما هو محدد من انتهاكات اتفاقيات جنيف الأربع وبروتوكولها الأول بأنه يشكل مخالفات جسمية. والدول مطالبة أيضًا بمحاكمة هؤلاء الأشخاص، بصرف النظر عن جنسيتهم، أمام محاكمها، أو بتسليمهم إلى دولة طرف معنية أخرى كي تحاكمهم.

وتضع صكوك دولية أخرى التزامًا مماثلاً على الدول الأطراف بأن ترسي في محاكمها شكلًا من أشكال الولاية القضائية العالمية على الانتهاكات الخطيرة للقواعد المذكورة فيها. وتشمل هذه الصكوك اتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح وبروتوكولها الثاني لعام 1999، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة لعام 1984، والاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لعام 2006.

في هذا الإطار، نستطيع تجهيز ملف قانوني -مُحْكم- بكافة الانتهاكات والجرائم التي حدثت مع الدكتور “محمد مرسي”، مُنذ لحظة القبض عليه وإخفاءه قسرُا، مرورًا بالمحاكمات السياسية التي افتقرت لأبسط معايير المحاكمات العادلة، وتوثيقًا -بشكلٍ أساسي- لكافة إجراءات الإهمال والرعاية الطبية اللازمة، التي حدث معه والتي أدت -كنتيجةٍ طبيعةٍ- في نهاية المطاف لحالة الوفاة التي كانت على مرأى ومسمع من الجميع.

(ب) المحكمة الجنائية الدولية:
سبق وأن صرحت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية “فاتو بن سودة”، أن المحكمة الجنائية الدولية تنظر في طلب التحكيم الدولي الذي تقدم به في ديسمبر/ كانون الأول 2013، محامون عن الرئيس “محمد مرسي” لفتح تحقيق من المحكمة في ما جرى في مصر بعد الانقلاب العسكري في 03 يوليو/تموز 2013، وفقًا للمادة 12 فقرة 3 من معاهدة روما التي نشأت بموجبها المحكمة في 1998. ونبهت المدعية العامة، إلى أن مصر ليست عضوًا ولم تصدّق على معاهدة روما، التي نشأت على أساسها المحكمة وأن آليات فتح تحقيق من المحكمة يعتمد على عضوية وتعاون الحكومات الفعلية للدول. وذكرت أنه من الصعب قبول طلب التدخل من الإخوان المسلمين لأنهم لا يشكلون الحكومة الحالية، وبالتالي لا يمكنهم تقديم طلب العضوية للمحكمة للتحقيق في الجرائم التي تختص المحكمة بالنظر فيها.

وفي مايو/أيار 2015، أعلنت المحكمة الجنائية الدولية، أنها رفضت قبول النظر في تلك الشكوى من الناحية الشكلية[7]، بغرض فتح تحقيق في جرائم ضد الإنسانية. وذكرت المحكمة في بيانٍ، أن عريضة تهدف إلى قبول أهلية المحكمة الجنائية الدولية للنظر في (قضايا) مصر، قد رفضت. وأوضحت المحكمة أن الشكوى التي تقدم بها حزب الحرية والعدالة “الواجهة السياسية للإخوان في مصر”، لم يتم تقديمها باسم “الدولة المعنية” أي جمهورية مصر العربية، وبالتالي لا يمكن قبولها.

هذا هو المدخل والمسار الخاطيء… وما يُعبر عن التسرع وقلة الخبرة، التي اتسم بها مسئولي إدارة الأمور.

فكون مصر لم تصادق على معاهدة روما، التي نصت على إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، فإن فتح تحقيق دون تقديم طلب من جهة رسمية لا يمكن أن يمر إلا عبر “مجلس الأمن الدولي”. هذا هو الجهد الذي كان يجب أن تنصب الجهود من أجله؛ كيف نعمل، وماذا نعمل، لكي يتبنى “مجلس الأمن الدولي”، تحقيقًا دوليًا في هذا الإطار؟

فما دلينا من أمثلة قريبة تؤكد ذلك، مثل قبول المحكمة التدخل في دولتي ليبيا والسودان رغم أنهما غير عضوتين في المحكمة، فكما أكدت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية ووزيرة العدل السابقة في غامبيا، أن قانون المحكمة يتيح التدخل إذا طلب مجلس الامن التابع للأمم المتحدة ذلك، وهذا ما حدث، وأن المسؤولين في المحكمة باشروا التحقيقات في قضية دارفور على سبيل المثال دون الذهاب إلى السودان، لعدم تعاون الحكومة الحالية، ولكن التحقيقات تمت خارج السودان بعد جمع الادلة والمعلومات الكافية حول ارتكاب جرائم ضد الانسانية.

ومن ثم يوجد مساران -بما يحملاه من صعوبة وتكلفة وبطء- من الممكن اتخاذهما للوصول إلى تحقيق في تلك القضية:

إمَّا الوصول بطلب تحقيق من “مجلس الأمن الدولي”، وهو يأتي عبر تواصل مستمر مع الدول الأعضاء والسعي لتبني دولة لهذا الطلب داخل المجلس.
وإمَّا السعي لتفعيل المادة 15 من اتفاقية روما، وذلك عبر العمل على تشكيل قناعة “المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية”، حتى يُباشر التحقيق في هذه الجريمة باستشعاره أن الجرائم التي تمت تدخل في اختصاصه.
هذا مساران للتعامل مع المحكمة الجنائية الدولية، وليس ما تم من تقديم عريضة قانونية من أفراد تابعين لحزب سياسي، بطلب التحقيق في جريمة من اختصاص المحكمة دون توافر الشروط الشكلية لقبول العريضة.

(ج) التحقيق الدولي:
في الثامن عشر من يونيه/ حزيران 2019، قال المتحدث باسم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إنه: “نظرًا لأن الرئيس السابق محمد مرسي كان محتجزًا لدى السلطات المصرية وقت وفاته، فإن الدولة مسؤولة عن ضمان معاملته معاملة إنسانية واحترام حقه في الحياة والصحة”[8]. وشدد المتحدث باسم المفوضية “روبرت كولفيل”، في تعليق على معاملة الرئيس المصري السابق ووفاته في الاحتجاز، على ضرورة أن يتبع أي موت مفاجئ في الحجز تحقيق سريع ونزيه وشامل وشفاف. وقال “هذه هي المبادئ العامة التي وضعتها مختلف هيئات حقوق الإنسان الدولية، بما في ذلك اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان، التي نتفق معها جملة وتفصيلا”.

وأضاف أن “على الدول التي صدقت على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بما فيها مصر، أن تتخذ كل التدابير الضرورية لحماية حياة الأفراد المحرومين من حريتهم. وعلى حد تعبير لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، التي تراقب تنفيذ العهد، تتحمل الدول الأطراف مسؤولية حماية حياة من تعتقله أو تحتجزه أو تسجنه أو تحرمه من حريته، ومسؤولية سلامته الجسدية”. وأشار المتحدث باسم مفوضية حقوق الإنسان إلى المخاوف التي أثيرت بشأن ظروف احتجاز محمد مرسي، بما فيها إمكانية حصوله على الرعاية الطبية الكافية والوصول إلى محاميه وعائلته.

وقال كولفيل “يبدو أنه احتجز في الحبس الانفرادي لفترات طويلة. يجب أن يغطي التحقيق أيضًا جميع جوانب معاملة مرسي للنظر فيما إذا كان لظروف احتجازه تأثير على وفاته”. وأكد المتحدث الرسمي بأنه “يبدو أنه احتجز في الحبس الانفرادي لفترات طويلة. يجب أن يشمل التحقيق أيضا جميع جوانب معاملة مرسي، للنظر فيما إذا كان لظروف احتجازه تأثير على وفاته”.

ووفقًا للقواعد والمواثيق الدولية المعنية، وأهمها ما أشارت إليه قواعد مانديلا “قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء[9]“، قد حدثت مخالفات وانتهاكات جسيمة، بالأخص ما أشارت إليه المادة 24 تنص على أن “توفير الرعاية الصحية للسجناء هي مسؤولية الدولة. وضرورة أن يتمتع السجناء بنفس المعايير الصحية المتوفرة في المجتمع، وأن يحصلوا على خدمات الرعاية الصحية الضرورية مجانا دون تمييز على أساس وضعهم القانوني”.

وكذلك المادة 27 من ذات القواعد، التي تقول إنه “يجب أن تكفل جميع السجون إمكانية الحصول على الرعاية الطبية في الحالات العاجلة. أما السجناء الذين تتطلب حالاتهم عناية متخصصة فينقلون إلى مؤسسات متخصصة أو مستشفيات مدنية. عندما يكون لدى السجن مستشفى خاص به، يجب أن يكون مزودا بما يكفي من الموظفين والمعدات لتوفير خدمات العلاج والرعاية المناسبة للسجناء المحالين إلي”.

ومن ثمَّ فإن التحقيق بات واجبًا لما نصت عليه المادة 71 التي تنص على ضرورة أن”يبلغ مدير السجن دون إبطاء عن أي حالات وفاة أو اختفاء أو إصابة خطيرة أثناء الاحتجاز، بغضِ النظر عن بدء تحقيق داخلي بشأنها، إلى سلطة قضائية أو سلطة أخرى مختصة تكون مستقلة عن إدارة السجن ومكلفة بإجراء تحقيق سريع وحيادي وفعال في ملابسات هذه الحالات وأسبابها”.

وفي ضوء ما سبق، باتت فكرة إجراء تحقيق شامل ومستقل في ظروف وفاة الدكتور “محمد مرسي”، بما في ذلك ظروف احتجازه، مُتاحة رغم الصعوبات التي تواجه الأمر. وكثير من خبراء القانون أكدوا أن التحقيق يجب أن يتم من قبل محكمة مختصة ومستقلة عن السلطة التي احتجزته، على أن تُفوض بإجراء تحقيقات فورية ونزيهة وفعَّالة في ظروف الوفاة. وعمليًا، التحقيق يأتي بإجراءات مُتتابعة وتواصل مستمر ودؤوب مع بعثات دولية ومجلس حقوق الإنسان والمفوضية السامية لحقوق الإنسان عن طريق العديد من الشكاوى الدولية الفردية بتفويض من أسرة الدكتور “محمد مرسي”، وعبر منظمات حقوقية متعددة، للوصول بالقناعة لدى إحدى تلك الآليات بضرورة فتح تحقيق مستقبل من قبل الجهات المعنية.

رابعاً: معوقات الاستفادة من تلك الآليات:
ما تزال هناك العديد من المعوقات التي تقف حائلًا دون الوصول لمسار من تلك المسارات الثلاثة، سواء المتعلقة بمبدأ الولاية القضائية العالمية، أو تلك المرتبطة بالدخول للمعترك الشائك للمحكمة الجنائية الدولية، أو فكرة تبني تحقيق دولي جاد ومستقل ومحايد، تتلخص أهمها في:

افتقار الخبرة الدولية الحقيقية والاستعجال الإجرائي، في سرعة اتخاذ إجراءات قضائية دولية دون التريث وتكوين اللجان المُتخصصة، نتيجة ضعف التكوين والبنيان القانوني، للمعارضة المصرية بشكلٍ عام، والإخوان المسلمين بشكلٍ خاص، وهو ما يضطرهم للجوء لمسكنات قانونية، ببعض التصريحات أو توكيل بعض مكاتب المحاماة دون دراسة حقيقة ومتأنية للوضع، وهو ما يُضعف الأثر.
انعدام الإرادة السياسية للدول المُتحكمة في المنظومة العالمية، والتي ستعمل على منع أية تحركات مرتبطة بهذا الأمر.
عدم اكتمال توثيق ملف الدكتور “محمد مرسي” بشكل متكامل.
ضعف الموارد المالية واللوجيستية، وتفشي سياسة النفس القصير التي يتمتع بها أغلب المعارضين السياسيين، فمثل تلك الإجراءات تتطلب صبرًا وجهدًا وتخصصًا ودعمًا ماليًا ولوجيستيًا ونفسًا طويلًا للوصول لنتيجة مرجوة.
عدم تبني أي دولة من الدول، لمطلب فتح تحقيق دولي أمام مجلس حقوق الإنسان. وهي من المفترض مسئولية أولى على المعارضة، وكان عليهم السعي الحثيث للعمل على تبني دولة ما لهذا المطلب، وهو ما يُسهل الكثير من الأمور الإجرائية المطلوبة.
ضعف شبكة العلاقات والتواصل للقائمين على إدارة المشهد السياسي المصري في الداخل والخارج.
خامساً: الآليات/التكتيكات الجانبية المُساعدة:
في الإطار القانوني والقضائي الدولي -والذي يتسم بطبيعته بالبطئ والضغوط السياسية- يجب توفر عدة آليات وتكتيكات، تُساعد الفريق العامل على تلك القضية من الاستمرار فيها، وخف الضغط على المنظومة القضائية، ومنها:

العمل السياسي الدؤوب والمتواصل من قبل المُعارضين، للسعي إلى تبني دولة ما لطلب الملاحقة القضائية.
الترويج والضغط الإعلامي الدولي، الذي يُشجع هذه الإجراءات القضائية والآليات الدولية، ومدى أهميتها في (عدم الإفلات من العقاب)، وترويج وتسويق نزاهة واستقلالية القضاء الجنائي الدولي وآلياته المُتعددة.
المُشاركة (الجماهيرية/المجتمعية) لهذه الإجراءات، مثل عمل الحملات الدعائية لتأييد هذه الإجراءات.
التعاون مع شركة علاقات عامة، لبلورة رؤية تعامل تسويقي لهذه الإجراءات.
عدم تصدر المشهد الإعلامي للحديث عن هذه الإجراءات من أية رموز محسوبة على قيادة العمل الإسلامي.
إشراك المجتمع المدني الدولي (منظمات/شخصيات) في أهمية ودعم هذه الإجراءات.
الاستمرار في الضغط بعدة شكاوى مع مجموعة آليات دولية تابعة للأمم المتحدة، للحصول على قرارات أو توصيات أو حتى تصريحات رسمية، تتبنى الموقف العام لوفاة د. محمد مرسي، سواء بإدانة مباشرة أو غير مباشرة لشخصيات معينة، أو استمرار الدعوة لضرورة إجراء تحقيق دولي لمعرفة ملابسات الوفاة.
مخاطبة الجهات الرسمية التي أصدرت تقارير بشأن وضع الدكتور “محمد مرسي” قبل الوفاة، لدعم التحرك، مثل لجنة الشئون الخارجية بالبرلمان البريطاني، الأمم المتحدة، المقررين الخواص، منظمة العفو الدولية، منظمة هيومن رايتس ووتش، والكتَّاب بالصحف العالمية الذين تحدثوا في ذات السياق.
هذه ورقة رؤية تنفيذية قانونية قضائية، بخصوص التعامل الأمثل لحالة وفاة/مقتل الدكتور “محمد مرسي”، تحتاج إلى الكثير من المراجعة والتفصيل والتخطيط، للوصول للصورة الأمثل نحو التصرف الإجرائي الصحيح لهذه القضية؛ قد تُتبع مستقبلًا، بعدة إجراءات تفصيلة، وفي ظل مناخ يسمح بالعمل على تلك القضية.

لندن/المملكة المتحدة

اضغط لتنزيل الملف

مقالات ذات صلة